النويري
17
نهاية الأرب في فنون الأدب
قريبا من الصّفراء « 1 » بعث بسبس بن عمرو ، وعدىّ بن أبي الزّغباء الجهنيّين إلى بدر يتحسّسان له الأخبار عن أبي سفيان وعيره . ثم ارتحل صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى ذفران - واد يسار الصّفراء - وأتاه الخبر بمسير قريش ليمنعوا عيرهم ، فاستشار الناس وأخبرهم ، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ، ثم قام عمر فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول اللَّه ، امض لما أمرك اللَّه ! فنحن معك فو اللَّه لا نقول كما قالت بنو إسرائيل : * ( فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * ، ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق ، لو سرت بنا إلى برك الغماد « 2 » لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ؛ فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خيرا ، ودعا له . ثم قال : أشيروا علىّ أيها الناس - وإنما يريد الأنصار لأنهم عدد الناس - فقال له سعد بن معاذ : واللَّه لكأنك تريدنا يا رسول اللَّه ، قال : أجل ؛ قال : فقد آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول اللَّه لما أردت ، فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلَّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا ، إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللَّقاء ،
--> « 1 » الصفراء : واد من ناحية المدينة كثير النخل والزرع في طريق الحاج ، وبينه وبين بدر مرحلة . وقيل : قرية فوق ينبع مما يلي المدينة . « 2 » برك الغماد ( بكسر الغين المعجمة ، وقال ابن دريد : بالضم ، والكسر أشهر ) : موضع في أقاصي أرض هجر ، وقيل : موضع في أقصى اليمن . وقال الهمداني : موضع بالحبشة .